تركيا 2021.. عصية على الترويض

أنقرة في عقد التحولات الكبرى تنافس على زعامة العالم الإسلامي وتتحدى موسكو والرياض وواشنطن وتتجول بنفوذها السياسي وقواها الناعمة بين 3 قارات

في السنوات العشر الأخيرة تحركت تركيا كثيراً في جميع الاتجاهات.

أصبحت هضبة الأناضول مركزاً يمتد تأثيره لأطراف كثيرة، بعيدة وقريبة.

أما التأثيرات غير المباشرة فتنشر أشعتها على مناطق أخرى في آسيا وأفريقيا.

ما الذي تغير، تركيا أم محيطها الإقليمي والدولي؟

في كل موقع وجدت تركيا أصدقاء يحتفون بوجودها، وخصوماً ينتقدون هذا "التمدد".

لا يفرق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بين الإمبراطورية المجيدة والجمهورية الحديثة. وقال في إحدى خطبه إن "تركيا تمثل امتداداً للإمبراطورية العثمانية". 

الإمبراطورية العثمانية هي أكثر من مجرد ذاكرة، فهي رمز للنفوذ السياسي، واحتمال قيادة العالم الإسلامي مرة أخرى.

وبالتوازي مع فكرة العظمة الداخلية تتزايد مشاركة تركيا على المسرح العالمي وفي الشرق الأوسط.

تتمتع تركيا حالياً بعضوية مجموعة العشرين للاقتصادات الكبرى في العالم، ويعتزم أردوغان الوصول إلى المراكز العشرة الأولى بحلول عام 2023، مع حلول الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية على يد أتاتورك العلماني.

تفرض تركيا وجودها في جميع أنحاء الشرق الأوسط. 

أعرب أردوغان علناً عن دعمه لفلسطين، وزار بلداناً عربية وإفريقية عديدة، واستثمر في السودان، وشملت استثماراته هناك فتح قاعدة بحرية جديدة بالبحر الأحمر، وتجديد تركيا لجزيرة سواكن، وهي ميناء عثماني سابق له أهمية دينية، حيث إنه كان مركز عبور للحجاج للتوجه إلى مكة والمدينة.

لماذا توسّع تركيا من رقعة وجودها الجيو سياسي؟

وهل أصبحت في نهاية "العقد التركي" "دولة مارقة غربياً"، خارجة عن السيطرة؟

هذا التقرير يستعرض أسباب تركيا للخروج في اتجاه المجال الإسلامي الكبير.وما تحقق خلال السنوات العشر الأخيرة.وما يمكن أن يضيف إلى تركيا أو يخصم منها في المستقبل القريب.

حكمت الإمبراطورية العثمانية على مدى سبعة قرون تقريباً نطاقاً جغرافياً أكبر من أي إمبراطورية إسلامية أخرى. والذاكرة التاريخية للحكام الأتراك غارقة في التفكير بطريقة جيوسياسية واسعة. 

انظروا مسلسل Öttoman Rising على شبكة نتفليكس مثلاً. 

بل كان لها حتى نفوذ في الهند وإندونيسيا. 

ولم يكن هناك في الحقيقة إلا فترة فاصلة قصيرة لدولة قومية تركية حديثة بالتعريف الضيق تحت قيادة مؤسس الدولة التركية الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك. لكنَّ ذلك النوع من التفكير الجيوسياسي التركي بات الآن من الماضي. هل كل هذا إذن عثمانية جديدة وحسب؟

لا، يبدو أنها أكثر من ذلك بكثير.

غراهام فولر Graham E. Fuller يحاول في مقال مطول بموقع responsible state craft أن يحلل دوافع التمدد التركي، وجذوره التاريخية، واحتمالات خروج أنقرة عن السيطرة للتحول إلى قوة مارقة إقليمياً ودولياً.

يحاول، ونحن معه، الإجابة عن السؤال الأول: هل أصبحت تركيا خارج نطاق السيطرة، ودولة مارقة عصية على الترويض؟

نبدأ الإجابة باستعراض عناصر القوة التركية في العقد الأخير.


محاولة تركيا ملء الفراغ الذي أصاب المنظومة الإقليمية بعد احتلال العراق في 2003، وأن تكون القوة التي توازن الطموح الإيراني الجامح في شرق المنطقة.

تغريدة جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق 

الترجمة: إن العدوان التركي على مصادر الغاز والنفط في شرق المتوسط هو نتيجة مباشرة للتراجع العالمي للولايات المتحدة. إن قيادتنا في حماية السيادة اليونانية والقبرصية ستمنع الأعمال العدائية لتركيا من زيادة التوترات.

يتحدث العديد من المراقبين الأمريكيين عن استغلال روسيا للفراغ الذي خلفه الضعف الأمريكي في الشرق الأوسط. لكن لا يبدو أن روسيا وحدها التي استغلت التراجع الأمريكي.

ثمة طموح متزايد داخل أنقرة لملء فراغات النفوذ بالمنطقة التي تتبدل موازينها بين عشية وضحاها.

طموح يصفه خصوم أنقرة بالرغبة في العصيان، كما كتب موقع Independent Arabia، وهو موقع يدافع عن مصالح السعودية رغم اسمه البريطاني العريق. 

الموقع وصف "التمدد" التركي بأنه محاولة للقفز سريعاً نحو السيادة الإقليمية في مشهد ينبئ بميلاد دولة "مارقة" جديدة، وهو المصطلح الذي دخل قاموس السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد الحرب الباردة لتحديد الأنظمة التي تستخدم الإرهاب كأداة لسياسة الدولة، ولطالما استخدمه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن في وصف إيران وكوريا الشمالية. 

وينقل الموقع عن جيرارد أرود، السفير الفرنسي السابق لدى الولايات المتحدة، أن تركيا مثل روسيا والصين هي قوى استرجاعية لا تقبل بالوضع الراهن القائم على النظام العالمي الذي حدّده الغرب بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 والحرب الباردة 1991.

الأنظمة في هذه الدول تجرأت بفعل توازن القوى العالمي الجديد وسياسة الولايات المتحدة. 

يضيف الموقع: تدخل تركيا الآن في مواجهة مفتوحة مع حلفائها في الناتو، بعدما ربحت رهاناً على أنه بإمكانها التوغل العسكري في سوريا والعراق وإرسال مساعدات إلى ليبيا.


يمكن أن يُنسَب الفضل في الرؤية الجيوسياسية الكبرى المتبعة اليوم في تركيا إلى وزير خارجية الرئيس أردوغان السابق، أحمد داود أوغلو. ويمكن تلخيصها بالقول إنَّه يتعين الإقرار بتركيا كقوة أوروبية.

وعلى وجه الخصوص قوة إسلامية. 

وهناك مسوغات تاريخية وفيرة لكل هذه الادعاءات الطموحة. وبمجرد تشرُّب هذه الرؤية المتجذرة تاريخياً، من المستبعد أن يتراجع عنها بدرجة كبيرة أي زعيم تركي لاحق.

المشروع التركى تجاه الشرق الأوسط الأهداف التى قامت عليه

هذه هي خطوط الاستراتيجية التركية الجديدة التي تبناها حزب العدالة والتنمية بتخطيط من أحمد داود أوغلو

استراتيجية تسعى إلى التحرر من المفاهيم القديمة القائمة على أن تركيا محاطة بأعداء وعليها الدفاع عن نفسها في مواجهتهم.

والاستعاضة عن ذلك بمسارين رئيسيين هما: 

سياسة العمق الاستراتيجي التى يكون لتركيا بموجبها قوة التأثير النابعة من موقعها الجغرافي.

وسياسة تصفير المشكلات التى تهدف إلى حل مشاكل تركيا مع جيرانها.

المشروع التركي في الشرق الأوسط أطلقه "العثمانيون الجدد"، بسبب رؤيتهم للتاريخ العثماني بنظرة إيجابية عكس العلمانية الكمالية. 

وعلى البعد الحضاري الإسلامي القائم على مميزات الموقع الجيوبوليتكي التركي، والعلاقات التاريخية مع دول الجوار.

أما الأهداف فهي تحقيق المصالح التركية السياسية والاقتصادية والعسكرية بالشرق الأوسط من خلال تصفير المشكلات في علاقاتها مع دول الجوار.

وبناء علاقات إيجابية مع جميع دول المنطقة من آسيا إلى أوروبا وإلى أفريقيا.

والانتقال من سياسة التبعية للغرب إلى سياسة خارجية نشطة ولعب دور فاعل في القضايا الإقليمية والدولية.

ما حدث هو أن تركيا أعادت اكتشاف الشرق الأوسط، بعد أن تجاهلته المؤسسة التركية العلمانية الموالية للغرب لعقود. 

وخلال مرحلة الحرب الباردة، بل وعقبها، كان النشاط التركي في المنطقة محدوداً، وعادة ما يتم في إطار السياسات الخارجية للولايات المتحدة. 

يرى مراقبون غربيون أن القوتين الإسلاميتين الأكبر في الشرق الأوسط اليوم ليستا إيران والسعودية مثلما قد يرى الخبراء، بل تركيا والسعودية. 

فتركيا منافِسة جيوسياسية قوية للغاية للرياض، في رأي مسؤول المخابرات الأمريكية السابق غراهام فولر

تركيا تمثل الإسلام السُنّي المعتدل السائد، مع تعاطفٍ تجاه الروحانية الإسلامية الشعبية والتصوف، وهي صفات تمقتها الرياض. 

ومع أنَّ أردوغان يتحرك في اتجاهات صارمة ضد  "المتورطين" في محاولة الانقلاب العسكري صيف 2016، لكن رغم ذلك ما تزال البلاد عملياً ديمقراطية، وخسر أردوغان انتخابات محلية مهمة. 

لكنَّ حكام السعودية ومعظم مستبدي الدول العربية يرتعدون من فكرة الديمقراطية بأي صورةٍ كانت. 

في الواقع، تُعَد الإسلاموية الديمقراطية الشعبية أكبر كوابيس الرياض.

ولهذا السبب تخشى المملكة جماعة الإخوان المسلمين، التي- إلى جانب حركات إسلاموية معاصرة أخرى- تقبل المؤسسات الديمقراطية، وتشارك في الانتخابات، وما تزال معتدلة نسبياً، ولم تتورط في الإرهاب بأي مكان طوال عقود. 

لذا فإنَّ تصنيف كثيرين في المنطقة الإخوان باعتبارها "تنظيماً إرهابياً" أمرٌ سخيف، ولو أنَّ السياسيين الأمريكيين السُذَّج يجدون أنَّه من الملائم دعم هذا التصنيف الذي تُروِّج له مصر والسعودية وإسرائيل. 

تخشى السلطات في السعودية ومصر القبول الذي يحظى به الإخوان والمشاركة في العمليات الديمقراطية.

وبالمناسبة، لا تعتبر وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" ولا وزارة الخارجية الأمريكية أنَّ جماعة الإخوان تستوفي معايير "التنظيم الإرهابي". وكذلك لا تفعل قطر، وهو أحد الأسباب التي دفعت دول الحصار إلى فرض المقاطعة الصارمة على الدوحة.

ويكره ملوك الخليج كلهم أيضاً قناة الجزيرة الفضائية، التي تمثل أقرب شيء إلى حرية التعبير في العالم العربي اليوم. 

ولا ترغب قطر، شأنها شأن أنقرة، في قطع العلاقات مع جماعة إسلامية مهمة حديثة ومعتدلة نسبياً، والتي سيكون مستقبلها في السياسة مقيداً، ضمن القانون، لبعض الوقت في العديد من البلدان الإسلامية. 

وليس من قبيل الصدفة أنَّ قطر باتت مستثمراً رئيسياً في تركيا ومصدراً للدعم المالي، في حين قدَّمت تركيا لقطر الدعم العسكري.

موقع DW


ما العواصم التي يمكنها الحديث باسم المصالح الإسلامية؟ 

الرياض؟ 

تُعَد السعودية مزحة جيوسياسية ينبع نفوذها فقط من قوة محفظتها البترولية لترويج الشكل الوهابي المتعصب من الإسلام بين الدول الإسلامية الفقيرة، إلى جانب حيازتها للأماكن الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة.

لكن بخلاف ذلك، وبعبارات قاسية، تفتقر السعودية إلى العمق التاريخي (باستثناء فترة وجيزة باعتبارها مسقط رأس الدولة الإسلامية الأولي التي أسسها النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام).

ورؤيتها الإسلامية فقيرة في ظل قيادة أسرة ملكية تعتمد نسختها الوهابية من الإسلام أساساً على تجميعة من كل ما يجب اعتباره "حراماً" في الإسلام، إلى جانب الترويج لمعايير إقصائية ضيقة بشأن أي المسلمين لا يجب قبولهم باعتبارهم مسلمين شرعيين، بحسب ما يقوله فولر.

ولديها خوف رهيب من أي شيء ينم عن عملية أكثر ديمقراطية. 

هل تصبح القاهرة المتحدثة باسم مصالح المسلمين؟

كانت مصر قبل نحو نصف قرن تلعب دوراً جيوسياسياً مهماً في الشرق الأوسط، لكنَّها لم تتجاوز قط تحييدها في معاهدة كامب ديفيد.

هي اليوم فقيرة وبلا رؤية تحت حكم ديكتاتوري صارم. 

أي بلاد أخرى إذن قد تحظى بصوت مسموع في العالم الإسلامي؟ 

تملك إيران في جانبٍ من الجوانب العمق التاريخي والثقافي، والاقتصاد المتنوع القائم بذاته، والقوة الفكرية، وتقاليد الدولة التي ستخدمها جيداً بمجرد إزالة العقوبات غير الحكيمة والتعجيزية المفروضة عليها. 

وقد تكون إندونيسيا منافساً مهماً، لكن لن يكون ذلك إلا مستقبلاً.

باختصار، هنالك قِلة من المنافسين لدور تركيا باعتبارها متحدثة باسم مصالح العالم الإسلامي مثلما تعتبر نفسها، كما يستخلص مسؤول المخابرات الأمريكية السابق غراهام فولر في مقاله. 

سُئِلَ الزعيم المصري العروبي المهيمن في الستينيات جمال عبدالناصر عن سبب تبنّيه لمسألة العروبة. فردَّ:

باختصار، كان يستجيب لروح الأوقات التي كان يدركها. وربما يمكن قول الشيء نفسه عن أردوغان في تركيا اليوم.

هناك حاجة ملموسة لنوعٍ ما من القيادة والرؤية في عالم إسلامي قد يبدو بخلاف ذلك غارقاً إلى حدٍّ كبير في فوضى عميقة.

وهذا أحد الأسباب التي تفسر لماذا لا تفكر تركيا في التخلي عن مصير الفلسطينيين في خضم الاعتراف السريع من جانب حكام الخليج بإسرائيل؛ كي تتحدث بشكل شرعي عن واحدة من أكبر قضايا الاضطهاد الإسلامي الحديثة. 

وسيتفق غالبية المسلمين على ذلك، كما يرى الكاتب.

أردوغان: ماكرون بحاجة لاختبار قدراته العقلية

أردوغان: ماكرون بحاجة لاختبار قدراته العقلية

ما تزال آسيا الوسطى تحتل مكانة بارزة في الذاكرة التاريخية التركية، وتسعى تركيا لعلاقات أوثق معها.

يملك الأتراك عِرقياً أصولاً آسيوية، وهاجروا قبل ألف عام باتجاه الغرب من منطقة بحيرة بايكل Baikal.

وتشترك اللغة التركية مع اللغة اليابانية من حيث التركيب اللغوي أكثر مما تشترك مع اللغة الفارسية أو العربية، على الرغم من أنَّه لا علاقة لها باليابانية.

وهاجرت قبائل تركية عديدة غرباً قبل ألف عام، ووصل العثمانيون أخيراً إلى الأناضول. لكن ما تزال شعوب تركية أخرى متناثرة عبر منطقة أوراسيا: الإيغور، والأوزبك، والتتار، والكازاخ، والقرغيز، والتركمان، والأذريين، واللغات متقاربة نسبياً.

وكانت روسيا تاريخياً تخشى الوحدة التركية باعتبارها تهديداً انفصالياً محتملاً للإمبراطورية الروسية متعددة الأعراق، والتي احتضنت طوال قرون كل تلك الشعوب التركية (باستثناء الإيغور في الصين). 

وما تزال روسيا غير مرتاحة إزاء العلاقات والمصالح التركية في آسيا الوسطى. 

لكنَّ تركيا باعتبارها قوة متوسطة رئيسية في العالم، تحظى بأهمية كبيرة لروسيا بحيث لا يمكنها تجاهلها. 

في الواقع، تسعى موسكو لعمل كل ما بوسعها للحفاظ على علاقات جيدة مع تركيا، رغم التوترات. 

يشبه هذا الرؤية الأوروبية لتركيا، فهي قوة أهم من أن يمكن قطع الاتصالات معها، لذا تتحملها موسكو، في حين تسعد طوال الوقت بكون تركيا أيضاً شوكة في خاصرة أوروبا.

تتمتع روسيا بخبرة في إدارة علاقة اقتصادية وسياسية متقلبة مع تركيا، حتى عندما أرسل أردوغان القوات والوكلاء الأتراك لإحباط بوتين في النقاط الساخنة الإقليمية.

في سوريا، حيث استعاد بشار الأسد حليف بوتين السيطرة على معظم البلاد بفضل الدعم الروسي والإيراني، أعاقت تركيا جهود النظام لاستعادة معقل المعارضة الرئيسي في إدلب. قال الأشخاص الثلاثة المطلعون على الأمر، إن روسيا، التي أرسلت مرتزقة في وقت سابق من هذا العام، لقيادة هجوم على المدينة، أوقفت العملية بسبب المعارضة التركية.

وفي ليبيا الغنية بالنفط أيضاً، يخسر خليفة حفتر، حليف روسيا، قوته وسط جهود متجددة للتفاوض على تسوية سياسية مع الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس والتي تحظى بدعم تركي.

وقال أندريه باكلانوف، الدبلوماسي الروسي السابق الذي عمِل في مناصب من بينها سفير لدى المملكة العربية السعودية، وهو الآن تابع لنادي فالداي في موسكو: "نحن حلفاء في بعض النواحي، لكن مصالحنا متعارضة تماماً في مجالات أخرى". "علينا أن نتعلم كيف نتعايش مع هذا الوضع".


تمنح عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) إياها مقعداً في الصف الأول للتفكير الجيوسياسي الأوروبي. 

ويثير امتلاك أنقرة أوراقاً في قضية اللاجئين أيضاً قلق أوروبا. 

وتستقبل تركيا الآن قرابة 4 ملايين شخص في البلاد، أي قرابة 64% من كل اللاجئين في العالم.

ودوماً ما كانت أوروبا مترددة في قبول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي -جزئياً بسبب وجود انحياز ثقافي ضد المسلمين- على الرغم من أنَّ نحو 7 ملايين تركي يعيشون في ألمانيا اليوم. 

وأثار شراء تركيا منظومة S-400 روسية الصنع المضادة للطائرات انزعاج الناتو بشدة. لكنَّ حلف الناتو والاتحاد الأوروبي عالقان. 

فتركيا عملياً جزء من أوروبا، والناتو هو تذكرة أنقرة للحصول على مقعد على طاولة استراتيجية غربية رئيسية، كما يقول موقع Responsible Statecraft

وسترغب تركيا في استعادة ذلك المقعد. 

وستفضل أوروبا في النهاية الحفاظ على تركيا شائكة ومستقلة داخل المجالس الأوروبية بدلاً من طردها، إذ ستفقد مزيداً من النفوذ.

من كتاب "السياسة الخارجية التركية" للباحثين موريال ميراك فايسباخ وجمال واكيم

رابط غلاف الكتاب


تُعَد مبادرة "حزام واحد طريق واحد" الصينية الطموحة للغاية، التي تربط الدول في أرجاء أوراسيا بأوروبا، هي المشروع الأوضح رؤية لهذا القرن، وتَعِدُ بأن تعيد تشكيل النظام الدولي. 

تريد تركيا أن تكون جزءاً من هذا، والصين توافقها. 

https://www.dw.com/en/chinas-new-silk-road-faces-resistance-from-india-partners/a-44056399

https://www.dw.com/en/chinas-new-silk-road-faces-resistance-from-india-partners/a-44056399

وبإمكان تركيا أن تكون مُسهِّلاً للحضور الصيني في آسيا الوسطى، لكنَّها أيضاً منافساً محتملاً. 

وهنا تثور تساؤلات بشأن التضامن الإسلامي المحتمل، خصوصاً في ما يتعلَّق بالحساسيات الإسلامية، مثل مسألة الإيغور. 

وستضطر الصين إلى التعامل مع الإسلام في آسيا الوسطى، وبإمكان تركيا المساعدة. 

ستكون هناك توترات وبعض التنافس في علاقة تركيا مع الصين أحياناً، لكنَّها ستكون دائمة على المدى الطويل، بسبب أهمية كل دولة منهما للأخرى. 

فكما هو الحال مع روسيا، تحتاج الصين وتركيا بعضهما البعض مع بدء مشروع "طريق الحرير الجديد".


من المؤكد أن أردوغان سوف يسعى إلى إصلاح العلاقات مع إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن.

ومن المؤكد أيضاً أن الكرملين واثق بأن تركيا ستظل شوكة في خاصرة زملائها الأعضاء في الناتو، مما يؤجج الانقسامات التي تستمتع بها موسكو.

الخطط الأمريكية التي وافق عليها الرئيس دونالد ترامب لمعاقبة تركيا بسبب شرائها نظام الدفاع الصاروخي الروسي S-400 لن تؤدي إلا إلى زيادة تعقيد جهود الزعيم التركي لإعادة بناء العلاقات مع واشنطن، كما يستخلص تقرير وكالة بلومبيرغ.

تعقيدات العلاقات الأمريكية-التركية وضعت الإدارات الأمريكية من كلا الحزبين في وضع صعب خلال العقدين الماضيين.

فما نصيب بايدن منها؟

الشرق الأوسط كان المحور الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية خلال العقود الأولى من هذا القرن، ومن غير الواضح ما إذا كانت واشنطن تنوي مواصلة استراتيجية الدفاع عن مصالحها بالتدخل المباشر ودعم الحلفاء، أو صياغة استراتيجية إقليمية جديدة تقوم على تفويض الحلفاء للتصرف.

الجواب المحتمل هو المزيج من الاثنين: بعض التدخلات المباشرة، بعض التفويضات للأصدقاء. 

وسوف تسعى الحكومة الأمريكية بشكل متزايد إلى تجنيد هؤلاء الشركاء في جهد أوسع لدعم نظام ومعايير عالمية ضد التحديات الجريئة المتزايدة من المنافسين من القوى العظمى.

وتركيا؟

سيكون الدور الذي تختار تركيا أن تلعبه مهماً في أي إعادة صياغة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

فهي صاحبة أكبر اقتصاد في المنطقة، حيث يبلغ "ناتجها المحلي الإجمالي" 750 مليار دولار.

وهي تتشارك في الحدود مع إيران والعراق وسوريا.

وتتجاور مع روسيا عبر البحر الأسود. 

وهي محطة منطقية على "شبكة الحزام والطريق" الخاصة بالصين.

وهي في وضع يسمح لها جغرافياً وسياسياً بالتأثير على استعراض روسيا لقوتها جنوباً، أو على جبروت الصين غرباً.

لكن هذا لا يعني أن العودة إلى الوضع السابق للشراكة الأمريكية التركية أمر ممكن.

من كتاب "السياسة الخارجية التركية" للباحثين موريال ميراك فايسباخ وجمال واكيم

وخلال السنوات التي قضاها بايدن كعضو في مجلس الشيوخ الأمريكي ونائب للرئيس أوباما، اكتسب سمعة طيبة في العمل على التوصل إلى تسويات وراء الكواليس. 

وقد لا تكون المشاورات السرية مقاربة معتادة بالنسبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان تجاه الغرب، ولكن انتخاب رئيس أمريكي ديمقراطي جديد قد يمنحه مجالاً كافياً للسعي إلى إقامة علاقة مجدية وأكثر ودية مع واشنطن من شأنها أن تخدم مصالح الولايات المتحدة وتركيا على حد سواء.

يبدو أنَّ الكثير جداً من التحليلات المتداولة في الولايات المتحدة وبعض دوائر السياسة الأوروبية تُجمِع على هذا.

لكن الإجابة المختصرة هي لا، إنَّها ليست كذلك.

غراهام فولر Graham E. Fuller، مسؤول وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) السابق، يرفض الكثير جداً من التحليلات المتداولة في الولايات المتحدة وبعض دوائر السياسة الأوروبية، والتي تصم تركيا بالمروق.

قد يكون من المفهوم السبب الذي قد يجعل من الممكن جداً أن تعتقد الولايات المتحدة أنَّها كذلك، في ظل هوسها الضيق وانغلاقها على الذات بوضعية "القيادة الدولية".

ففي ما يتعلَّق بالقدرة على "السيطرة" على تركيا، قد يكون حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والاتحاد الأوروبي، بل وحتى روسيا والصين، محبطين من افتقارهم للسيطرة.

لكنَّ هذا الوضع يعكس استعراض تركيا لعضلاتها بينما تستكشف نطاق هويتها الذاتية وثقتها بالنفس الجديدين والآخذين بالتطور في جزءٍ معقد من العالم.

قبل أسابيع من نهاية 2020، وجّه الرئيس أردوغان عبر اتصال مرئي، كلمة إلى مؤتمرات لحزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا، بالتزامن مع إعلانه خطة إصلاحات اقتصادية وقانونية وقضائية بالبلاد.

قال إن بلاده ترى نفسها جزءاً من أوروبا.

وأكد رغبة تركيا في توطيد علاقات التعاون مع الولايات المتحدة، التي وصف العلاقة معها بأنها "تحالف وثيق".

هل تعني العبارتان أن أنقرة تتجه لإحداث تغيير في سياستها الخارجية؟

الكاتب التركي تشيتينار تشيتين Çetiner Çetin كتب مقالاً بعنوان "حان وقت التغيير في السياسة الخارجية".

يرى تشيتين أنه ليس بالسهولة إصلاح العلاقات بين أنقرة وواشنطن والتي كانت متوترة جداً في السنوات السبع الماضية، واستدرك بأن إدارة بايدن شكلت فريقاً من 18 شخصاً؛ لمتابعة السياسة الخارجية على صعيد العلاقات مع تركيا، مشيراً إلى أن هناك أسماء بالفريق معروفة بمعارضتها لسياسات أنقرة، كما ورد في ترجمة موقع عربي 21.

ودعا الكاتب بلاده إلى إعادة تطبيع العلاقات مع مصر والاحتلال الإسرائيلي، فهي الطريقة الوحيدة لمنع "تسلط اليونان" في شرق المتوسط.

مع كل هذه الطموحات، ربما تهضم تركيا أكثر مما يمكنها هضمه فعلاً، لاسيما مع تراجع اقتصادها، بحسب ما يقوله الكاتب الأمريكي.

لكن بالنسبة للغرب، الذي يحنُّ إلى الأيام الخوالي حين كانت تركيا "حليفاً غربياً راسخاً"، فإنَّ تلك الأيام قد ولَّت إلى الأبد. 

ولا غنى عن فهم أساس واتساع هذه الطموحات التركية من أجل إدارة العلاقات معها في السنوات المقبلة، فيما تواصل الولايات المتحدة نفسها خسارة دورها المهيمن على مسار السياسة الدولية تدريجياً وتضطر إلى الاعتراف بالقوى الإقليمية الجديدة.

ومفتاح الفهم لمواقف تركيا ليس النظر إلى ما يريد الغرب منها أن تكونه.

بل كيف ترى تركيا مكانها في العالم اليوم.